وانقضت العشرون .. !
هاهي أيام رمضان تمضي مودعة كالطيرِ الخاطف , ويكأني أُبشرُ الليلة بأول لياليه , ما أسرع لحظاتك وما أرق أوقاتك وكأنك حللت عيدًا علينا بطاعاتك .. فقد غمرتنا بروحانياتك التي يستشعرها الإنسُ والجان , واشتدت سواعد الراغبين لدخول باب الريان , مضيت يا رمضان دون أن تأبه بالمقصرين أمثالنا والذين غرتهم الحياة الدنيا على الآخرة , ولكن ثق أننا بك متعلقين وبرحماتك متأملين , لا يحل الوثاق ولا يتأرجح الميزان , أحببناك وفراقك يؤلمنا وهانحنُ نحاول الاجتهاد لعلنا نلحق بالركب الذي باع دنياه بدينه .. حتى ربح دينهُ ودنياه .
أثقيلٌ أنت يا رمضان ؟؟!

رمضان أيها الحبيب .. أثقيلٌ أنت أم أنهم هم المسيئين لك ؟؟!!!
رمضان يا موسم الخيرات وتضاعف الحسنات وتزايد البركات وتزين الجنات , رمضان يا محب الطائعين ويا روضة المشتاقين ويا تجارة العاملين ويا فوز الطامحين …
رأيتُهم بأمِّ عيني من أول لياليك .. لا مبالين بأصوات المآذن أو حتى نداء الجوامع ..!
أولئك الشباب الذين لهوا بخيراتك وتقاعسوا عن طاعاتك .. مدبرين لا مبالين .. معرضين عنك غير مقبلين , ولا أعلم ألهذا المستوى يبيع المسلم تلك الرحمات …لعمري إنهم خسروا تلك النفحات وغفلوا عن تلك الروحانيات .. !
لستُ عليهم ولية ولا محاسبة أو أحمل لهم من مسؤولية .. وإنما حسابهم على ربهم , ولستُ والله بخير منهم , ولكننا كمؤمنين كان ولابد أن تظهر علينا علامات الانكسار لله رغمًا عنَّا , واجبٌ علينا الاستشعار بفتح باب الريان وتزيين الجنان , وغلق أبواب النيران , وتقيد كل شيطان ..
أثقيلٌ أنت يا رمضان ؟؟!
أحب الناس إلى الله هم الأخفياء … !
إن إخفاء العمل عن الأنظار يجل حب الله للعبد … فالعابد التقي الخفي هو من يخفي عباداته عن أنظار المخلوقين , هو من يبتعد عن شكرهم ومجاراتهم , هو من لا يريدُ منهم جزاءًا ولا شكورًا …
هو إخلاص , هو تواضع هو بعد عن الشكر عن الثناء عن كل ما يأتي من البشر …!
يخفي عمله , شفقته , إحسانه , تعاونه مع الآخرين , لا يريد أن يعلم بهِ أحدًا من البشر .. حيثُ لا يذهب ذاك سُدىً وإن صغُر … فقط احتسب !
كان أبو بكر رضي الله عنه , يقمُّ المسجد ويخفي قمامته داخل كمِّهِ لكي لا يراهُ أحد … حتى إذا خرج ألقاها بعيدًا عن المسجد , فرآهُ أحد الصحابة رضوان الله عنهم فروى عنهُ ذلك …
الأخفياء هم من طابت قلوبهم بشكر الله على طاعات وأعمال يقومون بها دون علم المخلوقين …
” الخفي ” هو من لا يسيئهُ شكر غيرهُ ونسيانهُ أو تعمد تجاهله … هو من يخفي عملهُ فضلاً لبحثهِ عن الشكر ..!
فطرة البشر حُب الشكر , فالعمل بخفاء ذا علاقةً متلازمة مع الشكرِ عليه , وهذا من كرم الله على البشر , فكلما أخفى المرء عملهُ زادت مكانته وقُبلت كلمته وظهر وإن كره ذلك الظهور … فالله أكرم الأكرمين …
كثير يظهر نفسه بما ليس فيها .. ولعل هذا إظهارًا لمعنى الرياء الذي لا ينبغي أن يكون في النفس … فالنفس ضعيفة والرياء أحد أمراضها .. التي تقضي عليها وقد ترديها قتيلة في حضيض جهنم … نسأل الله العافية … فالأمراض وإن كثرت لا يزالُ الشيطان يزينها حتى تكون داءً لا يُغتفر …
ومن تلك الأمراض ” الحقد … الحسد … الرياء … العجب … الكبر … الغرور … تحقير الغير … الكذب … اللامبالاة بالخطأ … وغيرها كثير …
فمن ابتلي بإحدى تلك الأمراض / أرى أن خيرُ العلاج الجهاد وإن كان ذا مشقة عارمة .. لا تمكنهُ من العيش بدون ذاك الداء العضال … فالوضوء كل حين والدعاء خيرُ سبيل وقراءة القرآن بتذليل تجعل النفس طاهرة بهية , تنظر لربها بخشوع وذلة أن يغفر لها خطيئتها .. ولعل النفس تقع في تلك الأمراض , ولكن لا ينبغي لها المكوث فيها طويلاً …
ويمكن ترديد الدعاء عند الشعور بالعُجب – والذي هو فرح النفس عند القيام بعمل صالح ” وكأنك أنت من تفضلت على نفسك بالعمل , لا كأن الله المتفضل عليك – والدعاء هو : ” اللهم إني أعوذُ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ” فإن كنت تبحث عن الثناء … فاحذر أن يكون عملك رياء ..!
ولعلي أختمُ حديثي هذا بهاتين القصتين , والتي قرأتها فلم أجد أن أدعها دون أن أضعها فقد حملت أجمل معاني الخفاء , وعلو النفس بتذليلها , وتبرئتها بتشويهها !
ماذا تعرف عن حزب الله !!

